ابو بكر بن طفيل

80

حي بن يقظان

على ذاته ، بل هو هو . فرأى أن التشبه به في صفات الايجاب ، هو ان يعلمه فقط دون ان يشرك بذلك شيئا من صفات الأجسام . فأخذ نفسه بذلك . واما صفات السلب ، فإنها كلها راجعة إلى التنزه عن الجسمية . فجعل يطرح أوصاف الجسمية عن ذاته . وكان قد اطرح منها كثيرا في رياضته المتقدمة ، التي كان ينحو بها التشبه بالأجسام السماوية . الا انه أبقى منها بقايا كثيرة ، كحركة الاستدارة - والحركة من أخص صفات الأجسام - وكالاعتناء بأمر الحيوان والنبات ، والرحمة لها ، والاهتمام بإزالة عوائقها . فان هذه أيضا من صفات الأجسام ، إذ لا يراها أولا الا بقوة جسمانية . ثم يكدح في امرها بقوة جسمانية أيضا . فأخذ في طرح ذلك كله عن نفسه ، إذ هي بجملتها مما لا يليق بهذه الحالة التي يطلبها الآن . وما زال يقتصر على السكون في قصر مغارته مطرقا ، غاضا بصره ، معرضا عن جميع المحسوسات والقوى الجسمانية ، مجتمع الهم والفكرة في الموجود الواجب الوجود وحده دون شركة . فمتى سنح لخياله سانح سواه ، طرده عن خياله جهده ، ودافعه ؛ وراض نفسه على ذلك ، ودأب فيه مدة طويلة ، بحيث تمرّ عليه عدة أيام لا يتغذى فيها ، ولا يتحرك . قارن بين ذلك والفناء الصوفي يلاحظ استخدامه للفظ « الحق » وهو لفظ صوفي . - فناؤه عن نفسه ، بعد ما فني عن كل شيء الا نفسه . - لا يستطيع الصوفي ان يصف حالة الفناء هذه . وفي خلال شدة مجاهدته هذه ، ربما كانت تغيب عن ذكره وفكره جميع الذوات الا ذاته ؛ فإنها كانت لا تغيب عنه في وقت استغراقه بمشاهدة الموجود الأول الحق الواجب الوجود . فكان يسوءه ذلك ، ويعلم أنه شوب في المشاهدة المحضة ، وشركة في الملاحظة . وما زال يطلب الفناء عن نفسه ، والاخلاص في مشاهدة الحق ، حتى تأتى له ذلك ، وغابت عن ذكره وفكره السماوات والأرض وما بينهما ؛ وجميع الصور الروحانية والقوى الجسمانية ، وجميع القوى المفارقة للمواد ، والتي هي الذوات العارفة بالموجود ؛ وغابت ذاته في جملة تلك الذوات ، وتلاشى الكل واضمحل ، وصار هباء منثورا ؛ ولم يبق الا الواحد الحق الموجود الثابت الوجود . وهو يقول بقوله الذي ليس معنى زائدا على ذاته : « لمن الملك اليوم ؟ للّه الواحد القهار » « 1 » . ففهم كلامه وسمع نداءه ، ولم يمنعه عن فهمه كونه لا يعرف الكلام ولا يتكلم . واستغرق في حالته

--> ( 1 ) قرآن كريم سورة إبراهيم الآية 48